محمد بن جرير الطبري
89
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الْغَفُورُ الْوَدُودُ يقول تعالى ذكره : وهو ذو المغفرة لمن تاب إليه من ذنوبه ، وذو المحبة له . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : الْغَفُورُ الْوَدُودُ يقول : الحبيب . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قول الله : الْغَفُورُ الْوَدُودُ قال الرحيم . وقوله : ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ يقول تعالى ذكره : ذو العرش الكريم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ يقول : الكريم . واختلفت القراء في قراءة قوله : الْمَجِيدُ فقرأته عامة قراء المدينة ومكة والبصرة وبعض الكوفيين رفعا ، ردا على قوله : ذُو الْعَرْشِ على أنه من صفة الله تعالى ذكره . وقرأ ذلك عامه قراء الكوفة خفضا ، على أنه من صفة العرش . والصواب من القول في ذلك عندنا : أنهما قراءتان معروفتان ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقوله : فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ يقول : هو غفار لذنوب من شاء من عباده إذا تاب وأناب منها ، معاقب من أصر عليها وأقام ، لا يمنعه مانع من فعل أراد أن يفعله ، ولا يحول بينه وبين ذلك حائل ، لأن له ملك السماوات والأرض ، وهو العزيز الحكيم . وقوله : هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : هل جاءك يا محمد حديث الجنود ، الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ومكروههم ؛ يقول : قد أتاك ذلك وعلمته ، فاصبر لأذى قومك إياك ، لما نالوك به من مكروه ، كما صبر الذين تجند هؤلاء الجنود عليهم من رسلي ، ولا يثنيك عن تبليغهم رسالتي ، كما لم يثن الذين أرسلوا إلى هؤلاء ، فإن عاقبة من لم يصدقك ويؤمن بك منهم إلى عطب وهلاك ، كالذي كان من هؤلاء الجنود ، ثم بين جل ثناؤه عن الجنود من هم ؟ فقال : فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ يقول : فرعون ، فاجتزئ بذكره ، إذ كان رئيس جنده ، من ذكر جنده وتباعه . وإنما معنى الكلام : هل أتاك حديث الجنود فرعون وقومه وثمود ؛ وخفض فرعون ردا على الجنود ، على الترجمة عنهم ، وإنما فتح لأنه لا يجرى وثمود . القول في تأويل قوله تعالى : بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ وَاللَّهُ يقول تعالى ذكره : ما بهؤلاء القوم الذين يكذبون بوعيد الله ، أنهم لم يأتهم أنباء من قبلهم من الأمم المكذبة رسل الله ، كفرعون وقومه ، وثمود وأشكالهم ، وما أحل الله بهم من النقم ، بتكذيبهم الرسل ، ولكنهم في تكذيب بوحي الله وتنزيله ، إيثارا منهم لأهوائهم ، واتباعا منهم لسنن آبائهم وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ بأعمالهم ، محص لها ، لا يخفى عليه منها شيء ، وهو مجازيهم على جميعها . وقوله : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ يقول ، تكذيبا منه جل ثناؤه للقائلين للقرآن هو شعر وسجع : ما ذلك كذلك ، بل هو قرآن كريم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ يقول : قرآن كريم . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن يمان ، عن أشعث بن إسحاق ، عن جعفر ، عن سعيد ، في قوله : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ قال : كريم . وقوله : فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ يقول تعالى ذكره : هو قرآن كريم ، مثبت في لوح محفوظ . واختلفت القراء في قراءة قوله : مَحْفُوظٍ فقرأ ذلك من قرأه من أهل الحجاز ، أبو جعفر القارئ ، وابن كثير . ومن قرأه من قراء الكوفة عاصم والأعمش وحمزة والكسائي ، ومن البصريين أبو عمرو مَحْفُوظٍ خفضا على معنى أن اللوح هو المنعوت بالحفظ . وإذا كان ذلك كذلك كان التأويل في لوح محفوظ من الزيادة فيه ، والنقصان